السبت, مايو 18, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةزكاة المعاملاتإخراج زكاة المال للعاملين عنده

إخراج زكاة المال للعاملين عنده

السؤال

كثيرًا ما يسأل أرباب الأموال وأصحاب التجارات والصناعات عن حكم إخراج زكاة أمواهم للعاملين عندهم في الشركات والمصانع وغير ذلك، وهل إعطاؤهم من مال الزكوات هو أمر مجزئ شرعًا؟

الجواب

وختامًا: نرى من الأهمية بمكان أن نوضح لأرباب الأموال من التجار والصناع وغيرهم مما أفاء الله عليهم من فضله وبسط لهم من رزقه أن هناك فريقًا معتبرًا من أهل العلم يرى أن في المال حقًا سوى الزكاة، فعن فاطمة بنت قيس، قالت: سألت، أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة؟ فقال: إن في المال لحقا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية التي في البقرة: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} الآية[1].

وبغض النظر عن رجحان هذا القول من عدمه -ونحن لسنا في مقام تقرير رأي وترجيحه على آخر- فنهمس في أذنهم أن يبادروا بالتصدق من أموالهم ولا يكتفوا بزكاة أموالهم-وبخاصة في تلك الأوقات التي تزداد فيها الفاقة ويكثر فيها الاحتياج-، فلينفقوا ولا يخشوا من ذي العرش إقلالًا، فالصدقة بركة في الرزق ونماء للمال وتطهير للنفس وتزكيتها من الآفات والآثام.

التأصيل الشرعي

الحمد لله الذي أكمل الدين والأحكام وبين فيه الحلال والحرام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المفتين وسيد الموقعين عن رب العالمين، ورضي الله عن الوارثين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم الدين،،،،

جعل الله تبارك وتعالى للفقراء حقًا واجبًا في أموال الأغنياء، وجعل لإيجاب هذا الحق شروطًا متى ما توافرت في المال كان حقًا على صاحب المال أن يخرج زكاةً عن هذا المال حسب تقدير شرعي معلوم باختلاف أنواع الأموال من زروع وثمار ونقدين وغير ذلك.

وقد حدد الله تبارك وتعالى الأصناف المستحقة للزكاة،؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى :” {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }[2]، قال القرطبي :” قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) خص الله سبحانه بعض الناس بالأموال دون بعض نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له، نيابة عنه سبحانه فيما ضمنه بقوله:” وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها”…، وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وحذيفة. وقال به من التابعين جماعة. قالوا: جائز أن يدفعها إلى الأصناف الثمانية، وإلى أي صنف منها دفعت جاز…”[3].

وهذه الأصناف المذكورة في الآية هي التي يجوز دفع زكاة المال إليها حصرًا وقصرًا لا إلى غيرها، لذا كان تنظيم الزكاة وترتيب شئونها مما استقل الله به ولم يكله إلى نبي مرسل أو ملك مقرب وفي هذا دلالة على عظم شأنها وخطورة أمرها، فعن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته – وذكر حديثاً طويلاً – فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت في تلك الأجزاء أعطيتك حقك”[4]، قال ابن قدامة:” ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا يجوز دفع هذه الزكاة إلى غير هذه الأصناف، إلا ما روى عن أنس، والحسن، أنهما قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية، والصحيح الأول”[5].

ومن الركائز التي يقوم عليها الشرع عمومًا والزكاة على وجه الخصوص هو أن يهتم المسلم بالدوائر القريبة منه فيهتم بذوي القربى الأقرب فالأقرب والجار ذي القربى والجار الجنب وغير ذلك، ومن تطبيقات ذلك في الزكاة أن جعل الشرع الشريف زكاة المسلم على رحمه و أقاربه -ممن لا تجب عليه نفقتهم- يكون له فيها أجران: أجر الزكاة و أجر صلة الرحم والقرابة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:” إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة”[6] ،ومن ذلك أيضًا عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا لضرورة؛ حيث إن فقراء البلدة أحق بزكاة أموال أغنيائها من غيرهم البعيدين من البلاد المجاورة، قال أبو عبيد: والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها أن أهل كل بلد من البلدان، أو ماء من المياه، أحق بصدقتهم، ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها، حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها”[7].

ويدخل ضمن هذا، تلك المسألة التي بين أيدينا حيث يكون عند صاحب العمل -سواء كان شركة أو مصنعًا أو غير ذلك- موظفين أو عمال أو جراء لا تكفيهم رواتبهم في سد احتياجات المعيشية الضرورية والأساسية، وهنا يكون سؤال صاحب العمل: هل يجوز له أن يعطيهم من زكاة أمواله أو لا يجوز؟؟

فنجيب: أن قيام صاحب العمل بدفع زكاة المال إلى العاملين لا يوجد في الشرع ما يمنعه طالما أنه توافق مع الضوابط الآتي ذكرها، بل إنه يتوافق مع الفلسفة التي تقوم عليها الزكاة ومقاصد الشرع من أن:”الأقربين أولى بالمعروف” -وهو ما سبق بيانه-، وتلك الضوابط هي:

أولًا: أن يكون العامل أو الموظف مستحقًا للزكاة باعتباره صنفًا من أحد الأصناف المذكورة في الآية:” إنما الصدقات للفقراء والمساكين…الآية”.

ثانيًا: أن لا تكون الزكاة في مقابل عمل أو جهد، بمعنى أن الزكاة شيء منفصل تمامًا عن جهة العمل، فهي ليست علاوة أو حافزًا يعطى للعامل الأكفأ دون الآخر، أو الأكثر حضورًا والتزامًا أو غير ذلك مما قد يفعله صاحب العمل من استغلال الزكاة لتحصيل فائدة بشكل أو آخر لصالح عمله، وهذا ليس محله الزكاة، قال الشيخ البُجَيرمي:” ويحرم على المالك إعطاء أجرة الحصادين منه (أي: من زكاة المال)”[8]

ثالثًا: وهو عطف على ما سبق وتأكيد لمضمونه، وهو أنه لا ينبغي لصاحب العمل أن يكون مقصرًا في إعطاء العاملين لديه مستحقاتهم الطبيعية من الأجور والرواتب المتعارف عليها في الأسواق ويستعيض عن هذا التقصير والنقص بتعويضهم من زكاة المال، ففي هذه الحالة لا يجوز إعطاؤهم من زكاة المال إلا بعد أن يوفيهم حقوقهم وأجورهم المتعارف عليها، ثم يعطيهم بعد ذلك من زكاة المال على الوجه المبين.

والله أعلم

[1] – رواه الترمذي في سننه، كتاب: الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة، حديث رقم (659)، (2/41).

[2]  [التوبة: 60].

[3] – ينظر: الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد/ الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، 8/167، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م.

[4] – رواه أبوداود في سننه، كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، حديث رقم (1630)، (3/73).

[5] – ينظر: الشرح الكبير، لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (المتوفى: 682 هـ)، (7/206)، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة: الأولى، 1415 هـ – 1995م.

[6] – رواه النسائي في سننه، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب، حديث رقم(2582)، (5/92).

[7] – ينظر: الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام، (ص709).

[8] -ينظر: حاشية البجيرمي على شرح المنهج، للشيخ سليمان البجيرمي، 2/25.

المادة السابقة
المقالة القادمة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات