الثلاثاء, مايو 21, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالمعاملات المصرفيةاحتكار العملة الأجنبية -الدولار- وبيعها في السوق السوداء

احتكار العملة الأجنبية -الدولار- وبيعها في السوق السوداء

 

السؤال

هل احتكار العملات الأجنبية حرام شرعًا، وما حكم مَنْ يقوم بجمع العملات الأجنبية ليضارب بها في سوق السوداء؟

الجواب

التعامل مع الجهات غير المرخَّص لها في الاتجار بالعملة ممنوعٌ شرعًا، ومجرَّمٌ قانونًا، والكسب الحاصل من هذا النوع من الاتجار بهذه الصفة كسبٌ غير طيِّبٍ؛ لا سيما، وأن هذا النوع من الممارسات التجارية يضر باقتصاد الدول وعملتها وصناعتها وإنتاجها الوطني، ويضر أيضًا بحركة البيع والشراء في المجتمع، وتعمد حبس هذه العملات الأجنبية في أوقات الاحتياج إليها لتربُّص الغلاء يزيد من الحرمة والإثم.

التأصيل الشرعي

من أحد خصائص المعاملات المالية في الإسلام مراعاتها لمصالح أطراف المعاملة جميعًا؛ بحيث لا يَلحَق ضررٌ مؤثِّرٌ بأحد الأطراف، وتلك الخصيصة طبيعة لما يمليه العدل الكامل الذي رسَّخته الشريعة الإسلامية؛ وكل ذلك لأن المعاملات مبناها على التشاحح لا المسامحة.

ولأجل تحقيق هذا المقصد نهى الشارع عن بعض الممارسات التي قد تضر بمصالح بعض أطرافها، وسدَّ بطريقة محكمة منافذ هذه الممارسات بما يجفِّف منابعها، ومن تلك الممارسات ما يعرف بـ(الاحتكار) الذي هو أحد الأسباب الرئيسة في ظهور ما يعرف بـ(السوق السوداء).

والاحتكار في اللغة يأتي لمعانٍ؛ منها: الضيق، والقلة، والاحتباس، والاستبداد، وغالب المعاني والاستعمالات اللغوية للاحتكار تحمل معنى سوء الخلق، وكون الإنسان ظالمًا في معاملاته، بما يُنبِئ عن نُفرِة النفس عن هذه الممارسة الضارة.

وتعريف الفقهاء للاحتكار فيه تباينٌ نظرًا لما ضمَّنه كل فقيهٍ من شروطٍ وأحكامٍ قد لا يراها فقيهٌ آخر:

فعرفه الحنفية بأنه: حبس الطعام للغلاء[1].

ولم يذكر المالكية حدًّا للاحتكار، لكن المأخوذ من كلامهم أنه حبس شيء من الطعام أو غيره في وقت يضر احتكاره فيه بالناس[2].

وعند الشافعية: هو اشتراء طعام غير محتاج إليه وقتَ الغلاء لا الرخص، وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتضييق[3].

وعند الحنابلة: هو شراء قوت الآدمي وادخاره للضرر[4].

والمعنى الملاحظ في كل هذه التعريفات أنَّ الاحتكار يكون في الأقوات -أي: ما يقوم به بَدَن الإنسان من الطعام-، لكن هذا المعنى مختلف فيه، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في العلة التي من أجلها مُنِع الاحتكار، والبحث عن علة المنع من الاحتكار يُبْنَى عليه القول في حكم احتكار العملات الأجنبية -الدولار-.

والحاصل من أقوالهم: أن العلة في منع الاحتكار ليست ذات الاحتكار، بل الإضرار بالناس، ولهذا يقول الإمام البيهقي بعد ذكره حديث معمر رضي الله عنه: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»؛ قال:”إنما أراد -والله أعلم- إذا احتكر من طعام الناس ما يكون فيه ضرر عليهم دون ما لا ضرر فيه”[5].

والإضرار معنًى مشتركٌ بين مرتبة الضرورة والحاجة، فإذا أَلجا الاحتكارُ الناسَ إلى مرتبة الضرورة أو الحاجة فهذا هو الاحتكار المحرَّم، والذي يتحقَّق باحتكار أي شيء ولا يخص الطعام دون غيره؛ ذلك أن اختلاف الفقهاء فيما يكون فيه الاحتكار إنما هو خلاف في الصورة فقط -أي: خلافٌ لفظيٌ-، فعند المالكية أن الاحتكار يكون في كل شيء؛ سواء في الأقوات أم غيرها وإن كان ذهبًا وفضة، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقال الشافعية والحنابلة إنه خاص بالأقوات فقط، وهو المفتى به عند الحنفية، وخصَّ الحنابلة القوت بقوت الآدمي، فلا احتكار عندهم في قوت البهائم.

لكن القائلين باختصاصه بالأقوات اشترطوا أن لا يكون للناس في المحبوس -ونعني به غير الأقوات- ضرورة، ومعناه عدم الجواز عند اضطرار الناس أو حاجتهم إلى الشيء الـمُحْتَكر، وحالة الاضطرار أو الحاجة هي ما يصدق عليها معنى الاحتكار كما أوضحنا، فإذا لم يكن للناس حاجة في السلعة، ولم يضطروا إلى شرائها، فليس فيها احتكارٌ وإن حبسها البائع وغَلَا ثمنها.

قال العلامة الحصكفي الحنفي: “(ولا يكون محتكرا بحبس غلة أرضه) بلا خلاف”[6].

وقال العلامة ابن عابدين: “والظاهر أن المراد أنه لا يأثم إثم المحتكر وإن أثم بانتظار الغلاء أو القحط لنية السوء للمسلمين. وهل يجبر على بيعه؟ الظاهر نعم إن اضطر الناس إليه”[7]. فغلة الأرض -ومثلها منتجات المصنع- لو حبسها لا يأثم إثم احتكارها، وإنما يأثم لو أضمر نية سوء للناس، ومع ذلك فللحاكم أن يبيعها عليه إن احتاج الناس إليها.

وقال الشيخ سليمان الجمل الشافعي: “خرج بالأقواتِ الأمتعةُ؛ فلا يحرم احتكارها ما لم تدع إليها ضرورة”[8].

ويقول الإمام البهوتي الحنبلي: “(ولا يحرم) الاحتكار (في الإدام كالعسل والزيت) ونحوهما، (ولا) احتكار (علف البهائم)؛ لأن هذه الأشياء لا تعم الحاجة إليها؛ أشبهت الثياب والحيوان”[9].

والتعليل بعدم عموم الحاجة مُؤذِنٌ بأنه إذا عمت الحاجة فلا ريب في الحرمة، وهذا ما يفهم من نصوص الحنابلة عند البحث عن علة تحريم الاحتكار في الأقوات؛ قال البهوتي: “(وَيُجْبَرُ) مُحْتَكِرٌ (عَلَى بَيْعِهِ) أَيْ مَا احْتَكَرَهُ مِنْ قُوتِ آدَمِيٍّ (كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ)؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ وَدُعَاءِ الْحَاجَةِ”[10].

وعلى ما ذُكِر يُبْنَى القول في مسألة “احتكار العملات الأجنبية -الدولار-“؛ فإذا مَشَينا على القول بأنَّ الاحتكار لا يختص بالأقوات -كما هو عند المالكية-، فلا ريب في أن حبس العُمْلات كالدولار واليورو داخلٌ في مفهوم الاحتكار إذا تحقَّق فيه شروط الاحتكار.

وإذا مَشَينا على القول بأنه لا احتكار إلا في الأقوات خاصة، فإن إلجاء الناس إلى مرتبة الضرورة أو الحاجة في حبس غير القوت داخلٌ أيضًا في مفهوم الاحتكار كما سبق بيانه.

 وهو ما يُؤْذِن بدخول حبس العملات أوقات احتياج الناس إليها في معنى الاحتكار، لا سيما وأنَّ حبس العملات -كالدولار واليورو وما أشبههما- والضَّنَّ بها في أوقات الاحتياج إليها فيه تضييقٌ على عامة الناس من خلال ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات ومتطلبات الحياة، وإلحاق ضرر باقتصاد بلادهم، ويؤثِّر سَلْبًا في الاستقرار ومسيرة البناء والتنمية، وكل ذلك يُعَدُّ اعتداءً صارخًا على مصالح الناس، وإيقاعًا للمحتاجين منهم في الحرج والمشقة، وهذا كافٍ في القول بحرمة احتكار العملات، إضافةً إلى ما ورد من النهي عن الاحتكار أصالةً؛ فقد ورد النهي عن الاحتكار في عدة أحاديث، منها: حديث معمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»[11]، وفي رواية: «لا يحتكر إلا خاطئ»[12].

ومنها: حديث أبي أُمَامَةَ رضي الله عنه قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُحتَكَر الطعام»[13].

ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «من احتكر حكرة، يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ»[14].

ومنها: حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، فإن حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة»[15].

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون»[16].

وقد حمل جمهور الفقهاء هذه الأحاديث وغيرها على الحرمة، وأبلغ الأحاديث في النهي عن الاحتكار حديث معمر رضي الله عنه؛ فإنه قد اشتمل على صيغة النفي؛ وذلك في قوله: «لا يحتكر» فنفى الاحتكار عن كل أحد إلا الخاطئ، واشتمل أيضًا على معنى النهي، فجمع بين النفي والنهي، وهذا أبلغ في التحريم من النهي منفردًا، ومعناه أنه لا ينبغي لأحد أن يفعل هذا، والخاطئ -بالهمز كما في الحديث- هو الآثم العاصي.

قال الإمام النووي: “قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم، وهذا الحديث صريحٌ في تحريم الاحتكار”[17].

وقال الإمام الشوكاني بعد إيراده أحاديث الاحتكار: “ولا شك أن أحاديثَ البابِ تنتهضُ بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار ولو فرض عدم ثبوت شيء منها في الصحيح، فكيف وحديثُ معمر المذكور في صحيح مسلمٍ، والتصريح بأن الْمُحْتَكِرَ خَاطِئٌ كافٍ في إفادة عدم الجواز”[18].

لكن هذا التحريم لا يثبت إلا بشروط، يكاد أن يتفق الفقهاء على ثلاثة منها، وهي:

1- الشراء وقت الغلاء، والمراد بالشراء شراء السلعة الموجودة في البلد.

2- والحبس مع تربص الغلاء.

3- وإحداث ضرر بالناس جراء الحبس[19].

فإذا اختلَّ واحد من هذه الثلاثة فلا يكون احتكارًا، وعلى ذلك فلو حبس السلعة ولم يكن للناس في المحبوس حاجة، أو حبسها مع بيعها بثمن المثل، أو اشتراها في حال الضيق والغلاء ليربح فيها بلا حبس، فلا يعد احتكارًا؛ وكذا لو حبس ما تنتجه أرضه من زرع، أو مصنعه من سلع، أو استورد سلعة من خارج البلد وحبسها فلا يعد احتكارًا ولو مع غلو ثمنها، شريطة أن لا يكون بالناس ضرورة إليها بحيث يصيبهم ضرر بالحبس؛ لأن المقصد من منع الاحتكار إنما هو رفع الضرر الواقع على مجموع المستهلكين جراء حبس السلعة وقت الضيق والغلاء.

فإذا ثبت أن الاحتكار محرَّمٌ، وأن حبس العملات -كالدولار واليورو- أوقات الاحتياج إليها فيه تضييقٌ على الناس، ويُلْحِق باقتصاد بلادهم ضررًا، كان حبسُها بهذه الكيفية ممنوعًا شرعًا، وفاعله مرتكبٌ لإثمٍ كبير، لا سيما وأنه لا يَضُر بفردٍ معيَّن، بل يضر باقتصاد الدولة واستقرارها ككل، وما أُنِيطَ بالمجموع خطرُه أعظم وأشد مما يُناطُ بالفرد.

وإذا قامت الدلائل الصريحة على تجريم ولي الأمر (الحاكم أو القانون) لفعلٍ مِن الأفعال فلا ريب في صيرورته محظورًا شرعًا؛ ذلك أنَّ تصرفَ الحاكم على رعيته منوطٌ بالمصلحة، وأنه يجب عليه توخِّي مصالح المحكومين بما يحقِّق مقاصد الشرع، وله تدبير الأمور الاجتهادية وفق المصلحة التي يُتوَصَّلُ إليها بالفكر والبحث والتحري واستشارة أهل الخبرة، وله أن يُحدِث من الأقضية بقدر ما يستجد مِن النوازل، وتصرفُه حينئذٍ تصرفٌ شرعيٌّ صحيحٌ يجب إنفاذُه والعمل به ما لم يأمر بمعصية.

قال الإمام الكاساني: “طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرضٌ، فكيف فيما هو طاعة”[20].

وقال الإمام الحموي: “قال المصنف -يعني: الإمام ابن نجيم- رحمه الله في “شرح الكنز” ناقلًا عن أئمتنا: إطاعة الإمام في غير المعصية واجبة”[21].

والله تعالى أعلم

 

[1] العناية شرح الهداية، للبابرتي (10/58).

[2] البيان والتحصيل، لابن رشد (7/360).

[3] نهاية المحتاج، للرَّملي (3/472).

[4] المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح (4/47).

[5] معرفة السنن والآثار، للبيهقي (8/206).

[6] الدر المختار، للحَصْكَفي (6/399).

[7] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (6/399).

[8] حاشية الجمل على شرح منهج الطلاب (3/93).

[9] كشاف القناع، للبهوتي (3/187).

[10] كشاف القناع، للبهوتي (3/187).

[11] أخرجه مسلم (3/1227).

[12] أخرجه مسلم في “صحيحه” (3/1228).

[13] أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (6/49).

[14] أخرجه أحمد في “مسنده” (14/265).

[15] أخرجه أحمد في “مسنده” (33/426).

[16] أخرجه ابن ماجه في “سننه” (2/728).

[17] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (11/43).

[18] نيل الأوطار، للشوكاني (5/603).

[19] يُنظر: بدائع الصنائع، للكاساني (5/129). ومواهب الجليل، للحطاب (4/227). وأسنى المطالب، للشيخ زَكَرِيَّا الأَنْصَاري (2/37). والمغني، لابن قدامة (4/167). والشرح الكبير، لابن أبي عمر (4/47).

[20] بدائع الصنائع، للكاساني (7/140).

[21] غمز عيون البصائر، للحموي (1/ 373).

المادة السابقة
المقالة القادمة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات