الثلاثاء, مايو 21, 2024
No menu items!
Google search engine

التجارة في الكلاب

السؤال

حكم التجارة في الكلاب؟

الجواب

اختلف الفقهاء في حكم التجارة في الكلاب، والمختار للفتوى أنه لا تجوز التجارة فيها بيعا وشراء إلا إذا كانت مما فيه منفعة كالصيد والحراسة وما أشبه ذلك من المنافع.

التأصيل الشرعي

التجارة في الكلاب بيعا وشراء اختلفت فيها أنظار الفقهاء تبعا للأحاديث الواردة فيها فمن ذلك:

عن أَبِي جُحَيْفَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: “نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ”[1].

وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ”[2].

فهذا نص في التحريم يشمل عموم الكلاب ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز بيع الكلب مطلقا، سواء أذن في اتخاذه أم لا، قال الحافظ ابن حجر: “ظَاهِر النَّهْي تَحْرِيم بَيْعه، وَهُوَ عَامّ فِي كُلّ كَلْب مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْره مِمَّا يَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ أَوْ لا يَجُوز، وَمِنْ لازِم ذَلِكَ أَنْ لا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور”[3].

وقال الإمام النووي: “وأما النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَكَوْنه مِنْ شَرّ الْكَسْب وَكَوْنه خَبِيثًا فَيَدُلّ عَلَى تَحْرِيم بَيْعه، وَأَنَّهُ لا يَصِحّ بَيْعه، وَلا يَحِلّ ثَمَنه، وَلا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه سَوَاء كَانَ مُعَلَّمًا أَمْ لا، وَسَوَاء كَانَ مِمَّا يَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ أَمْ لا، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَرَبِيعَة وَالأَوْزَاعِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ… ودَلِيل الْجُمْهُور هَذِهِ الأَحَادِيث “[4].

وذهب الأحناف إلى جواز بيع الكلاب مطلقا، قال الكاساني: ” أما بيع كل ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب، والفهد، والأسد والنمر، والذئب، والهر، ونحوها فجائز عند أصحابنا… لا فرق بين المعلم، وغير المعلم في رواية الأصل فيجوز بيعه كيف ما كان وروي عن أبي يوسف – رحمه الله -: أنه لا يجوز بيع الكلب العقور”.

ثم علل أن الكلب مال، فكان محلا للبيع كالصقر، والبازي، والدليل على أنه مال أنه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا، ولا شك أنه منتفع به حقيقة، والدليل على أنه مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق أن الانتفاع به بجهة الحراسة، والاصطياد مطلق شرعا في الأحوال كلها فكان محلا للبيع؛ لأن البيع إذا صادف محلا منتفعا به حقيقة مباح الانتفاع به على الإطلاق مست الحاجة إلى شرعه؛ لأن شرعه يقع سببا، ووسيلة للاختصاص القاطع للمنازعة إذ الحاجة إلى قطع المنازعة فيما يباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق لا فيما يجوز، وأما الحديث فيحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام؛ لأنهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب فأمر بقتلها، ونهى عن بيعها مبالغة في الزجر ويحمل على هذا توفيقا بين الدلائل”[5].

وحكى عن جابر وعطاء والنخعي جوازَ بيع الكلب للصيد دون غيره وهي رواية عن الإمام مالك، قال ابن قدامة: “لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل، أي كلب كان. وبه قال الحسن، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، والشافعي، وداود. وكره أبو هريرة ثمن الكلب، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله، وعطاء، والنخعي، وجوز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها، وأخذ ثمنها، وعنه رواية في الكلب العقور، أنه لا يجوز بيعه، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه، يجوز بيعه، ويكره. واحتج من أجاز بيعه بما روي عن جابر، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – «نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب الصيد»، ولأنه يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه، والوصية به، فصح بيعه، كالحمار”[6].

والاستدلال من أجاز بيع كلب الصيد بحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ إِلا كَلْبِ صَيْدٍ”[7].

فهذا الاستثناء نص في المسألة إلا أنّ الحديث ضعيف، قالَ النسائي بعد روايته للحديث: هَذَا مُنْكَرٌ، وقال السندي: ضعيف باتفاق أئمة الحديث[8].

إلا أنه يتأيد بأحاديث استثناء كلب الصيد والحرس من تحريم الاقتناء فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أمسك كلبا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية”[9].

قال ابن بطال: “وقد روى عن ابن عمر عن النبى – عليه السلام – أنه قال: (من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا أو كلب صيد؛ نقص من عمله كل يوم قيراطان) فهذا الحديث زائد، فكأنه عليه السلام نهى عن ثمن الكلب إلا الكلب الذي أذن في اتخاذه للانتفاع به، ويحتمل أن يكون الحديث الذي فيه النهى عن ثمن الكلب وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك، وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز بيعه، وكذلك لما أعطى الحجام أجره كان ناسخًا لما تقدمه”[10].

وعليه فإن التجارة في الكلاب لا تجوز بيعا وشراء إلا إذا كانت مما فيه منفعة كالصيد والحراسة وما أشبه ذلك من المنافع.

والله تعالى أعلم


[1] أخرجه البخاري في صحيحه (1944).

[2] أخرجه البخاري (2083) ومسلم (2930).

[3] فتح الباري (4/426).

[4] شرح صحيح مسلم (10/232).

[5] بدائع الصنائع (5/144).

[6] المغني (4/189).

[7] أخرجه النسائي (4686)

[8] حاشية السندي على سنن النسائي (7/191).

[9] أخرجه البخاري (2322) ومسلم (3146).

[10] شرح صحيح البخاري لابن بطال (6/363).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات