الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعالمتاجرة في الكتب المسروقة

المتاجرة في الكتب المسروقة

السؤال

أنا صاحب مكتبة، وأقوم بشراء الكتب القديمة من أصحابها، ثم أبيعها وأربح فيها، وقد جاء أحد الأشخاص إلى ليعرض عليَّ شراء مكتبة بثمن رخيص، فلما اطلعت عليها تأكدت أن هذه الكتب التي في مكتبته مسروقة، ولما سـألته عن ذلك أخبرني الحقيقة بأنها بالفعل سُرقت منذ زمن، فهل يجوز لي أن أشتريها منه وأقوم ببيع ما فيها بعد ذلك؟

الجواب

إذا علم التاجر وتيقن بأن هذه الكتب مسروقة مع اعتراف من يريد أن يبيعها له، ففي هذه الحالة لا يجوز شرعًا أن يشتريها منه، لأنه لو أخذها منه وباعها وتربح فيها، فإن هذا الكسب يُعَدُّ مالًا حرامًا.

التأصيل الشرعي

من المقرر شرعًا أن السرقة ذنب عظيم وكبيرة من الكبائر، وقد توعد الله السارق بالعقوبة في الدنيا والآخرة؛ فقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[1].

وقد جاء في السنة النبوية الزجر الشديد من السرقة، فروي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»[2].

فإذا تيقن التاجر أو غلب على ظنه أن ما يعرضه عليه البائع مسروق، فلا يجوز له في هذه الحالة أن يشتريه منه، لأن ذلك يُعَدُّ بذلك مشاركًا له في المعصية؛ يقول الشيخ عليش المالكي: “ومعاملة من في ماله الحرام قد استوفى الكلام عليها ابن جزي في القوانين، ونصه مسألة في معاملة أصحاب الحرام، وينقسم مالهم قسمين أحدهما أن يكون الحرام قائما بعينه عند الغاصب أو السارق أو شبه ذلك فلا يحل شراؤه منه، ولا البيع به إن كان عينا، ولا أكله إن كان طعاما، ولا لباسه إن كان ثوبا، ‌ولا ‌قبول ‌شيء ‌من ‌ذلك ‌هبة، ‌ولا ‌أخذه ‌في ‌دين، ومن فعل شيئا من ذلك فهو كالغاصب بكون الحرام قد فات في يده، ولزم ذمته”[3].

وعليه: فإن تاجر الكتب غير مطالب شرعًا ابتداءً بالبحث والتفتيش عن مصدر هذه الكتب، لكنه إذا علم وتيقن بأن هذه الكتب مسروقة مع اعتراف من يريد أن يبيعها له، ففي هذه الحالة لا يجوز شرعًا أن يشتريها منه، لأنه لو أخذها منه وباعها وتربح فيها، فإن هذا الكسب يُعَدُّ مالًا حرامًا، فالواجب على التاجر أن يتقي الله عَزَّ وَجَلَّ، ويتحرى الحلال في معاملاته بيعًا وشراء وغير ذلك، حتى يبارك له في عمله.

والله تعالى أعلم


[1] [المائدة: 38].

[2] أخرجه البخاري 8/ 160، رقم الحديث 6788.

[3] يُنظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، للشيخ عليش 2/ 109، ط. دار المعرفة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات