الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعبيع ثمار الفاكهة قبل نضجها أو قبل ظهورها

بيع ثمار الفاكهة قبل نضجها أو قبل ظهورها

السؤال

هل يجوز شرعًا بيع ثمار الفاكهة قبل ظهور ثمارها، أو بعد ظهورها لكن قبل بدو صلاحها؟

الجواب

بيع ثمار الفاكهة قبل بدو صلاحها أو قبل وجودها لا يجوز شرعا، وهو من البيوع المنهي عنها في السنة النبوية المطهرة، وذلك لما ينطوي عليه من غرر فاحش، من عدة وجوه منها: أن الثمرة على خطر الوجود أو عدمه، ولو وجدت فقد لا تسلم من الآفات، فيؤدي ذلك إلى استحلال مال المشتري بغير مقابل، وأيضًا عدم معرفة مقدار المبيع، وقد أباحت الشريعة الإسلامية عقد السلم، وهو مخرج شرعي صحيح إذا تعامل الناس به بشروطه المعروفة في بابه.

التأصيل الشرعي

من الصور الشائعة بين تجار الفاكهة شراء ثمار الفاكهة قبل موسم قطفها بفترة كافية حتى يضمنوا لأنفسهم كميات وفيرة من المتاح في الأسواق عند وجود الثمرة، فيقوم التاجر بالمرور على مزارع الفاكهة ويشتري من أصحابها المحصول.

والشراء له صورتان:

الصورة الأولى: أن يشتري الثمر قبل وجوده، أي قبل أن تثمر الشجرة، وتكون معرفة المشتري لمقدار الثمر تخمينًا من خلال معرفة بمقدار مساحة الأرض ومتوسط إنتاجية الفدان، وعلمه بمقدار إنتاجها في سنوات سابقة من خلال سؤاله التجار الذين اشتروا من صاحبها قبل ذلك، أو كان قد اشترى ثمار نفس الأرض في سنوات ماضية.

الصورة الثانية: أن يشتري الثمر بعد ظهورها وقبل بدو صلاحها، ويكون على البائع ري الشجر فقط، أما تسميده ورعايته من الآفات فيكون على المشتري، ويكون تقدير المحصول إما جزافًا لكامل المحصول، أو بتحديد سعر لكل كيلو من المحصول.

وقد حرصت الشريعة الإسلامية على مراعاة مصلحة المتعاقدين، فمنعت كل معاملة يكون الغرر فيها كبيرًا، وذلك رفقًا بطرفي المعاملة، وتجنيبًا لهما من المخاطر العالية، وصيانة لأموالهما.

والغرر: ما يكون مجهول العاقبة لا يدري أيكون أم لا [1].

يقول الإمام النووي: “وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة”[2].

ومن المسائل التي تدخل في بيع الغرر بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقد جاءت النصوص الشرعية بمنع هذا التعامل، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نهى عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري[3].

وقد بينت السنة نفسها سبب النّهي عن بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه، وهو خوف تلف الثّمرة، وحدوث العاهة لها قبل أخذها، فإنه يكثر تعرض الثمرة للآفات قبل بدو صلاحها، فجاء في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  أَرَأَيتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثّمَرَةَ ، بِمَ يَأخُذُ أَحَدُكُم مَالَ أَخِيهِ ؟”[4].

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟!!”[5].

وعلى فرض سلامة الثمرة من الآفات، فإن هناك سببًا آخر للبطلان وهو الجهالة في المعقود عليه “المبيع”، فالثمر قبل بدو صلاحه لا يعرف كم سيكون مقدارها بعد النضج، وقد يختلف اختلافًا كبيرًا عن التقدير الجزافي الذي قدر به وقت العقد، فيكون إضرار بأحد المتعاقدين سواء زاد أو نقص.

والمراد ببدو الصلاح بداية ظهوره لا كماله، وتختلف علامته من ثمرة لأخرى، فقد يكون بتغير اللون، أو تغير الطعم، في كل ثمرة بحسبها.

وضابط بدو الصلاح وظهور النضج، فيما كان يتلوّن أن يحمر أو يصفر أو تظهر عليه علامات نضجه المعهودة. وفي غير المتلوّن أن تظهر عليه مبادئ النضج، ويتحقق فيه ما يُقصد منه كحموضة أو حلاوة ولين تين ونحو ذلك.

قال الإمام النووي: “وبدو صلاح الثمر: ظهور مبادي النضج والحلاوة فيما لا يتلون، وفي غيره بأن يأخذ في الحمرة أو السواد، ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قلَّ”[6].

وعلى هذا فبيع الثمرة قبل نضجها كما يفعل كثير من الناس في هذه الأيام، لا يجوز شرعًا للنهي عنه؛ لاشتماله على غرر فاحش.

هذا فيما يتعلق ببيع الثمرة قبل بدو صلاحها، أما الصورة الثانية وهي بيع الثمرة قبل وجودها، فهو أشد حرمة وأكثر بطلانًا، لأنه بيع المعدوم الذي قد لا يوجد، فلا يجوز بيع ما ستثمره أشجاره؛ لأن المبيع وقت العقد معدوم، وبيع المعدوم باطل، فقد ورد فيه نهي صريح: فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني عن بيع ما ليس عندي ما أبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: ” لا تبع ما ليس عندك “[7].

وقد يتوهم البعض أن ما جاءت به الشريعة الإسلامية من النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها أو قبل وجودها، فيه تضييق على الناس، ومنع لصورة من المعاملات رائجة بينهم، والحقيقة أن ما فعلته الشريعة الإسلامية في هذا النوع من البيوع يحسم كثيرا من أبواب النزاع بين الناس في المستقبل، ويحفظ على كل واحد من المتبايعين حقه، فلا يبغي أحدهما على الآخر.

والمخرج لتصحيح هذا التعامل أن يكون العقد المبرم بين المتبايعين عقد سلم، وهو أن يبيعه مقدارًا من الثمار موصوفًا في الذمة بثمن معجل يتم قبضه في مجلس العقد.

وعقد السلم نوع من البيوع، وهو مستثنى من بيع المعدوم وما ليس عند الإنسان؛ ولهذا كانت له شروط خاصة زائدة عن عقد البيع، وقد دلت السنة النبوية على مشروعيته، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قَدِمَ المدينةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثمار السنة والسنتين، فقال: “من أسْلَفَ فَلْيُسلفْ في كيل معلوم، ووزْن معلم، إلى أجل معلوم”[8].

والفرق بين هذه الصورة الجائزة وبين بيع الثمار قبل ظهورها أو قبل بدو صلاحها، أن عقد السلم على موصوف في الذمة للبائع أن يوفره من أي جهة سواء من ثمر أرضه أو من غيرها عن طريق الشراء أو غيره من طرق التملك المشروعة، أما بيع الثمرة قبل ظهورها أو قبل بدو صلاحها فهو عقد على معين غير موجود وقت العقد، ولو كان موجودًا فهو على خطر عدم السلامة من الآفات، فإذا لم يوجد، أو وجد ثم تلف، بطل العقد.

والله تعالى أعلم.


[1]  التعريفات، للجرجاني (ص 161).

[2]  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (10/156).

[3]  رواه البخاري (2194) ومسلم (1534).

[4]  رواه البخاري (1488) ومسلم (1555).

[5]  رواه مسلم.

[6]  منهاج الطالبين وعمدة المفتين، (ص: 195).

[7]  سنن أبي داود، رقم:( 3503).

[8]  رواه البخاري ومسلم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات