الثلاثاء, مايو 21, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعبيع محصول الذرة مع عيدانه خضراء قبل تمام اشتداد حبه؛ لعمله علفا...

بيع محصول الذرة مع عيدانه خضراء قبل تمام اشتداد حبه؛ لعمله علفا للماشية

السؤال

من الصور الشائعة بين المزارعين بيع محصول الذرة مع عيدانه خضراء، قبل تمام جفافه بغرض عمله علف للماشية (سيلاج)، والذرة في هذه الحالة تكون بعد مرحلة اكتمال نموها، لكنها لا تكون قد وصلت لتمام اشتدادها، حيث إنها تحتاج مدة بعد هذه المرحلة لكي تصل إلى تمام النضج تقدر بحوالي عشرة أيام تقريبا، وإذا وصل الذرة إلى هذه المرحلة لا يصلح غالبا لعمل السيلاج؛ فلهذا يلجأ المزارعون إلى شراء الذرة قبل تمام النضج ويقطعون عيدانه مع كيزانه ويدرسونها بآلة مخصصة لهذا الغرض.

والبيع في هذه الحالة له صورتان:

الصورة الأولى: أن يبيع صاحب الزرع كامل الزرع بكيزانه، ويقوم المشتري بقطع الزرع مع المحصول ويدرسه بنفسه، ويقدر السعر على حسب مساحة الأرض، فيكون السعر لكل قيراط من الأرض، ويكون البيع بشرط قطع الزرع وتخلية الأرض منه.

الصورة الثانية: أن يقوم صاحب الأرض بقطع الذرة ودرسها، ويبيعها في هذه الحالة بالوزن، فيحدد السعر على حسب عدد الأطنان، وسعر كل طن.

والسؤال: هل بيع محصول الذرة مع عيدانه الخضراء لعمله علف للماشية، من بيع الزرع الأخضر قبل اشتداد حبه المنهي عنه شرعا، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها المنهي عنه، أم أن البيع في هذه الحالة جائز شرعا؟

الجواب

بيع محصول الذرة بالصورتين المذكورتين في السؤال من البيوع الجائزة شرعا، لحصول غرض البائع والمشتري من هذا العقد، وبذل المال في مقابله صحيح شرعا؛ لأنه لا يترتب عليه غرر كبير أو ضرر لأحد المتبايعين.

التأصيل الشرعي

بعد مراجعة أهل الخبرة من المزارعين، وأهل الاختصاص، اتضح أن هناك اتجاه إلى الاعتماد في تغذية الماشية على الأعلاف الخضراء بشكل كبير، وبما أن الأعلاف الخضراء الغنية في القيمة الغذائية توجد في مواسم دون الأخرى؛ لذلك فلابد من التفكير في طرق للحفاظ على الفائض منها للتغذية عليه في فترات أخرى، بحيث يمكن المحافظة عليها خضراء للاستفادة منها طوال العام، وكان من بين هذه الطرق طريقة التخمر اللاكتيكى عمل السيلاج:

وهو عملية حفظ العلف الأخضر على حالته الطبيعية بواسطة تشجيع نوع مرغوب من التخمر وهو ما يسمى بالتخمر اللاكتيكى، وهو حفظ العلف الأخضر بمعزل عن الهواء عن طريق تخمر السكريات الموجودة، مما يؤدى الى انتاج حامض اللاكتيك والخليك بكميات كافية لوقف النشاط البكتيري الضار بما يساعد في المحافظة على القيمة الغذائية للسيلاج[1].

وهذا ما أدى إلى ظهور الصورة محل السؤال، حيث يحتاج أصحاب المزارع إلى شراء محصول الذرة قبل تمام اشتداده، لعمله سيلاج يستخدم كعلف للماشية.

والملاحظ أن محصول الذرة في هذه الفترة التي يقلع فيها من الأرض لعمل سيلاج يستخدم علفا للماشية يكون في مرحلة بدئ اشتداد الحب، وقبل تمام الاشتداد، فهي مرحلة قصيرة يمر بها المحصول بعد بدو صلاحه وقبل تمام الاشتداد.

وحكم بيع محصول الذرة مع عيدانه خضراء بالحالة المسؤول عنها، هو الجواز وذلك لما يلي:

أولا: إنه من بيع الزرع أخضر بشرط القطع، بغض النظر عن اشتداد الحب من عدمه، وهذه الصورة جائزة ولا حرج فيها؛ لأن النهي الوارد في السنة المطهرة جاء عن بيع الثمرة وحدها قبل بدو صلاحها، روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال واللفظ للبخاري «لَا تَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا».

وقيس عليه بيع الحب قبل اشتداده، والعلة في ذلك عدم الأمن على الثمرة من الجوائح والآفات، قال الحافظ بن حجر العسقلاني: “وقد جعل النهي ممتدًّا إلى غاية بُدُوِّ الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهةُ وتغلب السلامةُ فيثق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بُدُوِّ الصلاح؛ فإنه بصدد الغرر”[2].

أما بالنسبة لبيع الثمر قبل بدو الصلاح فيجوز بشرط القطع، وأن يكون منتفعا بع، وهو نفس حكم بيع الزرع أخضر، قال الخطيب الشربيني شارحا لمنهاج النووي: ويحرم ولا يصح بيع الزرع والمراد به ما ليس بشجر الأخضر في الأرض إذا لم يبد صلاحه، ولو كان بقلا وكان البقل يجز مرارا إلا بشرط قطعه كالثمر قبل بدو صلاحه أو قلعه كما في المحرر، فإن باعه من غير شرط أو بشرط إبقائه لم يصح البيع فإن بيع الزرع المذكور معها أي الأرض أو وحده بعد اشتداد الحب أو بدو صلاح البقول جاز بلا شرط؛ لأن الأول كبيع الثمر مع الشجر. والثاني كبيع الثمرة بعد بدو الصلاح.[3]

وبيع الذرة أخضر، بشرط القطع، بغض النظر عن اشتداد الحب من عدمه يأخذ حكم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بالشرطين المذكورين، فما دام أن البائعان اتفقا على القطع، وكان الذرة منتفعا به في هذه الحالة كما هو الحال هنا فبيعه جائز ولا حرج فيه.

قال ابن قدامة: “ولا يجوز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال، كما ذكرنا في الثمرة على الأصول؛ لما روى مسلم، عن ابن عمر، «أن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن بيع النخل حتى يزهي، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري.» قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا يعدل عن القول به. وهو قول مالك، وأهل المدينة، وأهل البصرة، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي”[4].

ثانيا: بيع الذرة في الحالة المسؤول عنها أقرب ما يكون إلى بيع الحب بعد اشتداده وبدو صلاحه، وذلك لأن محصول الذرة في هذا الوقت يكون قد وصل لمرحلة من الصلاح يأمن معها من عروض الآفات غالبا، فهو أقرب إلى بيع الحب بعد اشتداده وبدو صلاحه من بيع الزرع أخضر وقبل اشتداد حبه، والبيع حينئذ جائز ولا حرج فيه لأن المبيع معلوم الوصف للعاقدين، معينا، ويمكن تقديره بمساحة الأرض ومعرفة كثافة الذرع فيها، وكلها أمور منضبة عند أهل الخبرة، والغرر فيها يسير مما يتسامح فيه غالبا.

ولم يشترط الفقهاء وصول جميع الحب إلى كامل الاشتداد والنضج، فيكفي ظهور صلاح البعض، أو اشتداد البعض، قال الإمام المحلي شارحا منهاج النووي: “ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قل البعض لبيع كله من شجر أو أشجار متحدة الجنس”[5].

وقال ابن قدامة: “وإذا اشتد حب الزرع، جاز بيعه مطلقا، وبشرط التبقية، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث: حتى يبيض. فجعل ذلك غاية المنع من بيعه، فيدل على الجواز بعده. وفي رواية، «نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد» . ولأنه إذا اشتد حبه بدا صلاحه، فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها. وإذا اشتد شيء من حبه، جاز بيع جميع ما في البستان من نوعه، كالشجرة إذا بدا الصلاح في شيء منها”[6].

ومحصول الذرة أشجاره متحدة الجنس، والشأن في بيعها أن تكون غير مختلطة بغيرها.

وهذا كله فيما يتعلق بالصورة الأولى، وهي يبيع صاحب الزرع كامل الزرع بكيزانه، ويقوم المشتري بقطع الزرع مع المحصول ويدرسه بنفسه، ويقدر السعر على حسب مساحة الأرض، فيكون السعر لكل قيراط من الأرض، ويكون البيع بشرط قطع الزرع وتخلية الأرض منه.

أما الصورة الثانية: وهي أن يقوم صاحب الأرض بقطع الذرة ودرسها، ويبيعها في هذه الحالة بالوزن، فيحدد السعر على حسب عدد الأطنان، وسعر كل طن.

فهي لا تدخل في بيع الزرع أخضر ولا في بيع الحب قبل اشتداده؛ لأنه يبيع علفا للماشية وهذا العلف معلومة مكوناته التي هي عيدان الذرة الخضراء مع كيزانها؛ ولا حرج في بيعها بالوزن لأنها خرجت عن كونها حبوبا بدرسها بالصورة المعهودة الآن.

وعليه فبيع محصول الذرة بالصورتين المذكورتين في صدر السؤال من البيوع الجائزة شرعا، لحصول غرض البائع والمشتري من هذا العقد، وبذل المال في مقابله صحيح شرعا؛ لأنه لا يترتب عليه غرر كبير أو ضرر لأحد المتبايعين.

والله تعالى أعلم


[1] – يراجع موقع قسم تغذية الحيوان: التابع لمعهد بحوث الإنتاج الحيواني، مركز البحوث الزراعية، وزارة الزراعة. https://kenanaonline.com/users/Nutrition-feed/posts/103407

[2] – فتح الباري، (4/ 396).

[3] – مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، (498/ 2).

[4] – المغني لابن قدامة (4/ 64).

[5] – كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين، (2/105).

[6] – المغني لابن قدامة (4/ 64).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات