الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفقهي معاصرحكم أخذ الطبيب عمولة نظير كتابة الدواء أو التحويل لمراكز الأشعة والتحاليل

حكم أخذ الطبيب عمولة نظير كتابة الدواء أو التحويل لمراكز الأشعة والتحاليل

السؤال

ما حكم أخذ الطبيب من شركات الأدوية ومراكز الأشعة ومعامل التحاليل مقابلا ماديا نظير كتابة الدواء أو التحويل للمراكز الأشعة ومعامل التحاليل؟

الجواب

يكثر في معاملات الأطباء والصيادلة الجارية والمنتشرة بينهم الاتفاق على أخذ عمولة أو هدايا معينة أو مقابل مادي نظير كتابة الأدوية للشركات المختلفة، أو التحويل لمراكز الأشعة  والتحاليل، وأصبحت زيادة العمولة هي المرجح الوحيد عند البعض، وتتنافس شركات الأدوية في تقديم العمولات والهدايا لتحصل على موافقة ورضا الطبيب بكتابة الدواء، وكذا مراكز الأشعة  ومعامل التحاليل، وهو أمر محرم ولا يجوز ما عدا صورة واحدة وهي أن يراعي الطبيب أمانة المهنة فيتخير الأصلح من الدواء بغض النظر عن الهدية والعمولة فهذه فيها التفصيل؛ فإن منعها ولي الأمر أو القانون ولوائح آداب المهنة فحينئذ طاعته واجبة وتحرم مخالفته فيه، وإن لم يمنع منها فتخضع حينئذ لقاعدة تعارض المصالح والمفاسد، فإن كانت المفسدة المذكورة غالبة أو متحققة فتحرم أيضا، وأما إذا تصور عدم وجود مفسدة منها فلا حرج منها، والقول بالحرمة مطلقا وجيه أيضا لغلبة المفاسد.

التأصيل الشرعي

وللمسألة عدة صور:

الأولى: أن يراعي الطبيب مستوى جودة الدواء وكذا مراكز الأشعة والتحاليل، بدون أن تكون العمولة المقدمة مؤثرة في ترجيحه بمفردها.

الثانية: أن يراعي الأمرين معا الجودة والعمولة بحيث يجتمع الغرضان.

الثالثة: أن يكون المعوّل هو العمولة وحدها بغض النظر عن مستوى الجودة، ومصلحة المريض.

التكييف الفقهي

هذه المسألة بصورها المتقدمة تدخل تحت أبواب الهدية وأيضا الرشوة، وأيضا السمسرة، حسب اختلاف الأغراض فيما سبق.

وهذه المسألة مترددة في أول النظر بين الهبة والهدية وهي مجمع على جوازها، والرشوة وهي مجمع على حرمتها[1].

ولابد من التفرقة بينهما قبل الشروع حتى تتضح المدلولات، قال ابن الرفعة: “الهبة، والهدية، وصدقة التطوع: أنواع من البر، يجمعها: تمليك العين من غير عوض، فإن تمَّحض فيها طلب الثواب من الله تعالى بإعطاء محتاج فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدي إليه؛ إعظامًا وإكرامًا وتوددًا فهي هدية، وإلا فهبة، وبعضهم اشترط في الهدية: أن يكون بين المهدي والمهدى إليه رسول… وعلى هذا: فكل هديةٍ وصدقة تطوعٍ هبةٌ، ولا عكس، وقد قيل: إن الهدية مشتقة من الهداية؛ لأنه اهتدي بها إلى الخير”[2].

ثم تكلم في موضع آخر عن الرشوة والفرق بينها وبين الهدية فقال: “الرشوة تكون لطلب حق ولطلب باطل، وقد حكي عن ابن كج أنه قال: الرشوة عطية بشرط أن يحكم له بغير حق، والهدية عطية مطلقة، وكلام الماوردي يخالفه؛ فإنه قال: الرشوة: ما تقدمت الحاجة، والهدية ما تأخرت.

والذي حكاه الغزالي في “الإحياء” منطبق على الأول؛ فإنه قال: المال إن بذل لغرض آجل فهو قربة وصدقة، وإن بذل لغرض عاجل: فإن كان لغرض مال في مقابلته فهو هبة بثواب مشروط أو متوقع، وإن كان لغرض عمل محرم أو واجب متعين فهو رشوة، وإن كان مباحاً فإجارة أو جعالة، وإن كان للتقرب والتودد للمبذول له: فإن كان لمجرد نفسه فهدية، وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد: فإن كل جاهه بعلم أو نسب أو صلاح فهدية، وإن كان بالقضاء والعمل بولاية فرشوة”[3].

وعليه فالنظر يكون في هذا المال المبذول من شركة الأدوية فهو على مقابلة تسويقه والدعاية للدواء مبناه على أنه مؤتمن على عمله وبالتالي فلا شك في أنه في الصورة الثالثة يخالف هذه الأمانة، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “المستشار مؤتمن”[4]، قال المناوي: ” (المستشار مؤتمن) أي: أمين فيما يسأل من الأمور؛ لأنه قلد الأمر الذي استشير فيه فإذا عرف المصلحة لمن قلده أمره فلا يكتمه فإن كتم ضره وقد قال عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار فيكون قد ترك الإحسان وغشه فيما استشاره فيه وخان”[5].

ففي هذه الحالة يكون مرتشيا لأنه قد خان الأمانة، وقدم مصلحة دنيوية على النصح الواجب في حقه وقد أستُؤجر عليه، فهي رشوة محرمة، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: ” لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”[6].

وأما الصورة الأولى: وهي أن يراعي أمانة المهنة فيتخير الأصلح مع أخذه العمولة فهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل لأنها حينئذ تكون من باب الجعالة أو السمسرة، ولكن شركات الأدوية لا تفعل ذلك لأجل مصلحة المريض بل والطبيب وإنما غرضها الوحيد من دفع العمولة والهدايا المصلحة التجارية البحتة، وترويج منتجاتها دون أي اعتبار آخر، مما تتفاقم معه المشكلات من غلو أسعار الدواء، واستغلال حاجة المرضى، والمتاجرة بآلامهم، فإنّ الشركة لابد من تحميل المستهلك هذه العمولات على تكلفة سعر الدواء مما يضر بالمجتمع ككل، والأولى في ذلك أن يترك لولي الأمر فإن منع من هذه المعاملة فحينئذ طاعته واجبة وتحرم مخالفته فيه، كما هو منصوص عليه في لوائح آداب المهنة ببعض البلدان[7]، وأما إذا لم يمنع منها ولي الأمر، ولم ينهى عنها قانون البلد فحينئذ يكتنف المسألة نظرتان:

الأولى: نظرة قاصرة على حدود أطراف المعاملة بتكون هي عين مسألة السمسرة وتأخذ حكمها.

والثانية: نظرة كلية مقاصدية بحيث لا ننظر إلى أفراد المعاملة فقط بل معرفة ما ستؤول إليه المسألة وما ستتأثر به المنظومة الدوائية ككل، فإن آلت إلى ما ذكرنا من استغلال حاجة المرضى ورفع تكلفة الدواء عليهم فحينئذ يحرم التعامل بها، لأنه ضرر على عموم الناس، ورفعه واجب شرعي، لأنه من باب المصالح والمفاسد، ودفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، ولا سيما أن المصلحة خاصة لطائفة معينة، والمفسدة الناشئة منها عامة ولا شك أنه ينبغي دفعها، يقول ابن نجيم: “تنبيه: يتحمل الضرر الخاص؛ لأجل دفع ضرر العام، وهذا مقيد لقولهم: الضرر لا يزال بمثله”[8]، ولذلك جعل من فروعها: جواز التسعير عند تعدي أرباب الطعام في بيعه بغبن فاحش.

فإذا لم يراع ولي الأمر ذلك فحينئذ لابد من الفقيه والعالم مراعاة ذلك في فتواه والنظر إلى المآلات فإذا وجدها قد تؤدي إلى المفاسد المذكورة أو أدت إليها بالفعل فلا شك في حظرها والنهي عنها ونصح الأطباء بعدم الانسياق إلى ذلك وأن مهنته أشرف من ذلك، وأنّ مرضاه أمانة في عنقه، وهو مسؤول عند الله إذا قصّر في النصح الواجب لهم.

وأما الصورة الثانية فهي مترددة بين المسألتين، ومراعاة الطبيب ذلك قد لا تتحقق فحينئذ نقول إنها تحرم للقاعدة: “ما اجتمع محرم ومبيح إلا غلب المحرم”، ويعبر عنها أيضا بـ ” ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال” وهو لفظ حديث أورده جماعة وضعفه البيهقي، وأخرجه عبد الرزاق موقوفا على ابن مسعود -رضي الله عنه-[9]

قال التاج السبكي: “القاعدة في نفسها صحيحة، قال الجويني في السلسلة: لم يخرج عنها إلا ما ندر”[10]

حكم المسألة

بناء على ما سبق ذكره فإن أخذ الطبيب من شركات الأدوية ومراكز الأشعة  ومعامل التحاليل مقابلا ماديا، أو هدايا، أو ما شابه نظير كتابة الدواء أو التحويل للمراكز الأشعة  ومعامل التحاليل محرم ولا يجوز ما عدا صورة واحدة وهي أن يراعي الطبيب أمانة المهنة فيتخير الأصلح من الدواء بغض النظر عن الهدية والعمولة فهذه فيها التفصيل؛ فإن منعها ولي الأمر أو القانون ولوائح آداب المهنة فحينئذ طاعته واجبة وتحرم مخالفته فيه، وإن لم يمنع منها فتخضع حينئذ لقاعدة تعارض المصالح والمفاسد، فإن كانت المفسدة المذكورة غالبة أو متحققة فتحرم أيضا، وأما إذا تصور عدم وجود مفسدة منها فلا حرج منها.

وقد انتهت دار الإفتاء المصرية إلى الحرمة مطلقا بغير تفصيل[11]، وكذا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء[12]، وهو وجيه نظرا لقاعدة سد الذرائع عند القائلين بها.

والله أعلم

[1]  تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية للنابلسي (ص15)

[2] كفاية النبيه شرح التنبيه (12/87)

[3] كفاية النبيه شرح التنبيه (18/101)، ونكتفي في الفرق بينهما بذلك ومن أراد الإطالة فليرجع إلى رسالة الإمام النابلسي “تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية”، وكذا إلى إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين للزبيدي (6/752: 774)

[4]  أخرجه الترمذي في سننه (2822) وقال: حديث حسن”، وابن ماجه (3745).

[5]  فيض القدير (6/268)

[6]  أخرجه الترمذي في سننه (1336).

[7]  ومن ذلك جمهورية مصر العربية؛ فقد جاء في المادة (8) من لائحة آداب المهنة الصادرة بقرار وزير الصحة والسكان رقم (238) لسنة 2003م : “لا يجوز للطبيب أن يأتي عملا من الأعمال الآتية: ….طلب أو قبول مكافأة أو أجر من أي نوع كان، نظير التعهد أو القيام بوصف أدوية أو أجهزة معينة للمرضى، أو إرسالهم إلى مستشفى أو مصح علاجي أو دور للتمريض أو صيدلية أو أي مكان محدد لإجراء الفحوص والتحاليل الطبية، أو لبيع المستلزمات أو العينات الطبية”.

[8]  الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي (ص 74)

[9]  الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 105) والأشباه والنظائر لابن نجيم (ص93).

[10]  الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 106).

[11]  في فتواها برقم (534) لسنة 2010م، موسوعة الفتاوي (37/362).

[12]  فتاوى اللجنة الدائمة (23/572).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات