الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعملي معاصرالأنشطة الخدميةحكم استخدام بيانات العملاء

حكم استخدام بيانات العملاء

السؤال

 ما الحكم الشرعي لمهندس يعمل في مكتب استشاري ليأخذ خبره ثم يستقيل وينشئ مكتبه الخاص، فما حكم تعامله مع العملاء السابقين والذي يحتفظ بأرقامهم، وبعضهم يتواصل معه على أساس أنه لا زال في مكتب الاستشاري السابق؟

الجواب

هذا المهندس إن أخذ بيانات العملاء خلسة من المكتب، واستولى عليها بغير وجه حق، ليتعامل معهم مباشرة فهذا محرم ولا يجوز وهو من الغش والخداع المنهي عنه.

وإن كانت هذه البيانات معه ابتداء أثناء عمله بالمكتب بطريقة مشروعة، ثم عند استقلاله عن الشركة يريد استخدام هذه البيانات فإن كان هناك شرط بينه وبين المكتب عند التعاقد ينص على أنه لا يستخدم بيانات العملاء عند مغادرته العمل فلا يجوز له استخدام هذه البيانات لأن الأصل في الشروط الصحة، والتزامها لمن شرطت عليه، وإن لم يوجد شرط يمنعه من استعمال هذه البيانات، فلا مانع من استخدامها في الإعلان لمكتبه الجديد، وهم بالخيار في التعامل معه، أو التعامل مع المكتب السابق، فهذا من التنافس المباح، بشرط عدم تدليسه عليهم أو إيهامهم بأنه تابع أو فرع للمكتب السابق.

التأصيل الشرعي

من السنن الكونية التي اقتضتها حكمة المولى –جل شأنه- أن تكون العلوم والصنائع والحرف في كل جيل يتوارثونها عما قبلهم، ويورّثونها لمن بعدهم، ومقتضى ذلك أن الصناعات المختلفة لا تقف ولا تكون حكرا على أحد بعينه، ولذلك تتطور العلوم والصنائع بمرور الزمن.

والصنائع لا تكتسب إلا بالتعلم والتعليم، وهو ضرورة يحتاج إلى معلم، وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا بعنوان: “الصنائع لابد لها من المعلم”، وقال فيه: “وعلى قدر جودة التّعليم وملكة المعلّم يكون حذق المتعلّم في الصّناعة وحصول ملكته”[1].

ومن المعلوم أن هذا المتعلم إذا وصل إلى درجة من الإتقان والخبرة يحتاج إلى أن يستقل بنفسه وتستوي في ذلك كل الصنائع والمهن، كالطب والهندسة والمحاماة والنجارة إلخ

ومن المسائل الناشئة عن هذه السنة الكونية أنه بعد أن يستقل بنفسه قد يتعامل مع العملاء السابقين والذي يحتفظ بأرقام البعض، وبعضهم يتواصل معه على أساس أنه لا زال يعمل في المحل السابق.

وهذه المسألة لا تخلو من ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يأخذ من المكتب بيانات العملاء خلسة، ويستولي عليها بغير وجه حق، ليتعامل معهم مباشرة.

والصورة الثانية: أن تكون بيانات العملاء معه ابتداء أثناء عمله بالمكتب وبعلمه، ثم عند استقلاله عن الشركة يريد استخدام هذه البيانات.

والصورة الثالثة: أن يتواصل معه بعض عملاء المكتب على اعتقاد أنه لا زال موجودا فيه.

والصورة الأولى محرمة ولا تجوز لما فيها من الغش والخداع، والطمع بما في أيدي الناس، وعن ابن مسعودٍ عنِ النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ غَشَّنا فليس منَّا، والمكرُ والخِداعُ في النار»[2]، قال المناوي: “(من غشنا فليس منا) أي ليس على منهاجنا لأن وصف المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته الزهد في الدنيا والرغبة فيها وعدم الشره والطمع الباعثين علي الغش (والمكر والخداع في النار) أي صاحبهما يستحق دخولها لأن الداعي إلى ذلك الحرص في الدنيا والشح عليها والرغبة فيها وذلك يجر إليها”[3].

وما أحسن قول أبي العتاهية:

لَيْسَ دُنْيَا إِلَّا بِدِينٍ وَلَيْـ … سَ الدِّينُ إِلَّا مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ

إِنَّمَا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّا … رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أَهْلِ النِّفَاقِ

وأما الصورة الثانية: فلها حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون هناك شرط بينه وبين المكتب عند التعاقد ينص على أنه لا يستخدم بيانات العملاء عند مغادرته العمل.

وفي هذه الحالة لا يجوز له لأن الأصل في الشروط: الصحة، والتزامها لمن شرطت عليه، ما دامت لم تحل حراما، أو تحرم حلالا لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً أحَلَّ حَرَاماً أوْ حَرّمَ حَلالا»[4].

أي: المسلمون هم الذين ينفذون ويثبتون عند شروطهم، قال العيني: “المسلمون عند شروطهم” يعني المسلمون هم الذين يَثْبتُون عند شروطهم، وأراد بالشروط: الشروط الجائزة في الدين لا الشروط الفاسدة”[5].

والحالة الثانية: أن لا يكون هناك شرط يمنعه من استعمال هذه البيانات، فلا مانع من استخدامها في الإعلان لمكتبه الجديد، وهم بالخيار في التعامل معه، أو التعامل مع المكتب السابق، فهذا من التنافس المباح، بشرط عدم تدليسه عليهم أو إيهامهم بأنه تابع أو فرع للمكتب السابق.

وأما الصورة الثالثة: فهي أن يتواصل معه بعض عملاء المكتب –السابق عمله فيه- على اعتقاد أنه لا زال موجودا فيه، فليس له أن يتعامل معهم من غير بيان أنه قد استقل عن المكتب الأول، لأنه غش وخداع، فلا بد من بيان أنه قد استقل بمكتبه الخاص وهم بالخيار في التعامل معه، أو التعامل مع المكتب السابق.

والله تعالى أعلم


[1] مقدمة تاريخ ابن خلدون (1/501).

[2] أخرجه ابن حبان في صحيحه (567)، والطبراني في ” الكبير ” (10234).

[3] فيض القدير، للمناوي (6/186).

[4] أخرجه الترمذي في “سننه” (1352) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه الطحاوي في “شرح معاني الآثار”(4/ 90). والحاكم في “المستدرك” (4/ 101). والبيهقي في “السنن الكبرى” (6/ 79).

[5] نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار (14/365).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات