الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعحكم الشرط الجزائي عند التأخر عن سداد الأقساط

حكم الشرط الجزائي عند التأخر عن سداد الأقساط

السؤال

بعت سيارة لزميلي بالتقسيط، واشترطت عليه في عقد البيع شرطا جزائيا أنه إذا تأخر عن دفع الأقساط في موعدها أن يدفع مبلغا قدره عشرة آلاف جنيه، فهل يحل لي أخذ مبلغ الشرط الجزائي في حالة تأخره عن دفع الأقساط في موعدها المتفق عليه؟

الجواب

الشرط الجزائي جائز ومشروع، فلا يحرم من العقود والشروط والالتزامات بصفة عامة إلا ما حرمه الشرع، ويجب الوفاء بكل ما يلتزمه الشخص طائعا مختارا إلا ما قام الدليل على بطلانه وكان فيه نهي بخصوصه، والشرط الجزائي إذا كان الالتزام دينا خالصا لا يجوز؛ لأن حقيقته الزيادة في مقابلة التأخير في سداد الدين، وهذه الصورة منهي عنها شرعا؛ لأنها من ربا النسيئة الذي جاء القرآن بتحريمه، والبديل الشرعي هو الرهن أو الكفالة حتى لا يستهين الناس بسداد الديون والالتزامات المالية.

التأصيل الشرعي

الشرط الجزائي: هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه أحدهما إذا أخل الطرف الآخر بتنفيذ ما التزم به.

ومصطلح الشرط الجزائي مصطلح قانوني معاصر، والمصطلح الفقهي هو ضمان التعويض عن التعطل والانتظار، الذي أقره القاضي شريح بقوله «مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ»[1].

وقد اختلف العلماء في حكم الشرط الجزائي، والمختار للفتوى القول بجوازه تقليدا لمذهب الحنابلة، فعندهم الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط، الإباحة، فكل ما لم يمنعه الشرع منها فهو مباح استصحابا لذلك الأصل.

فلا يحرم من العقود والشروط والالتزامات بصفة عامة إلا ما حرمه الشرع، ويجب الوفاء بكل ما يلتزمه الشخص طائعا مختارا إلا ما قام الدليل على بطلانه وكان فيه نهي بخصوصه.

وتأسيسا على ذلك فلا يحرم من الشروط إلا ما كان مخالفا لمقتضى العقد، وما ورد فيه نهي بخصوصه أو كان مخالفا لأصل من أصول التشريع.

وفي الحديث: “الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا”[2]

والشرط الذي في واقعة السؤال حقيقته الزيادة في مقابلة التأخير في سداد الدين، وهذه الصورة منهي عنها شرعا؛ لأنها من ربا النسيئة، وهو الزيادة في الدين نظير الأجل أو الزيادة فيه، وسمي هذا النوع من الربا ربا النسيئة من أنسأته الدين: أخرته؛ لأن الزيادة فيه مقابل الأجل أيا كان سبب الدين بيعا كان أو قرضا.

وهذا النوع من الربا كان شائعا في الجاهلة وقد نزل القرآن بتحريمه، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}[3].

قال الإمام الطبري: “وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو “الربا أضعافًا مضاعفة”، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه”[4].

وعلى هذا فالشرط المذكور قد أحل حراما، وهو الزيادة في مقابل الأجل في الدين، فلا يجوز شرعا، ولا يحل لك أخذ المبلغ المشروط إذا تأخر في سداد الأقساط.

والبديل الشرعي لحفظ الحقوق من الضياع عند فساد الزمم –كما هو شائع في أيامنا- هو الرهن أو الكفالة.

والرهن هو: جعل عين متمولة وثيقة بدَيْن، يُستوفى منها عند تعذّر الوفاء.

فالجعل يكون بالعقد، والجاعل هو الراهن، والمجعول عنده هو المرتهن، والمجعول هو العين المرهونة، والعين تطلق على كل ذي حجم، وكون هذه العين متمولة أي تعتبر مالا في عُرف الشرع، وهذا الجعل انما هو للتوثّق، أي ليستوثق الدائن من ان دَيْنه لن يذهب ويضيع، بل يطمئن إلى انه سيعود اليه، فالعين تجعل مرهونة مقابل الدَّيْن، بحيث إذا تعذّر – أي صعب او استحال – على المدين إن يوفى دَيْنه في أجله، استطاع الدائن أن يستوفي دَيْنه من هذه العين، بأن تُباع ويأخذ دَيْنه من ثمنها”[5].

فالرهن نوع من أنواع التوثيق للدين، وفائدة إستيفاء الدين منه عند تعذر السداد، وهذا من شأنه أن يطمئن صاحب الدين.

والكفالة: هي عقد يلتزم فيه العاقد – وهو المسمى الكفيل أو الضامن – حقاً ثابتاً لشخص في ذمة غيره، بحيث إذا لم يؤدِّه مَن عليه الحق أدّاه ذلك الملتزم.

فالكفالة تضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون، فتصير ذمتهما مشغولة بالدين، ولا تبرأن إلا بسداده، أو إسقاطه من جانب صاحب الحق.

والرهن والكفالة كلاهما نوع من الاستيثاق لصاحب الدين، ليتأكد من وفاء المدين في الوقت المحدد للسداد.

فيكون فيهما الباعث على سداد الديون لأصحابها، وسد باب المماطلة، وقطع الطريق على الذين لا يتورعون عن أكل أموال الناس بالباطل.

والله تعالى أعلم


[1] إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 301).

[2] أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه وصححه.

[3] [آل عمران: 130].

[4]  جامع البيان عن تأويل آي القرآن (7/ 204).

[5]  الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي (7/ 111).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات