الثلاثاء, مايو 21, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعحكم الشرط الجزائي عند فسخ العقد

حكم الشرط الجزائي عند فسخ العقد

السؤال

قمت بشراء منزل، واتفقت مع البائع أن يكون تسليم المنزل بعد سنة من تاريخ عقد الشراء، واتفقنا على شرط جزائي مقداره خمسون ألف جنية إذا تأخر عن موعد التسليم، ولما جاء الموعد المحدد لم يلتزم البائع بتسليمي المنزل، وماطل حتى مضت ستة أشهر على موعد التسليم، فهل يحق لي المطالبة بالشرط الجزائي تعويضا لي عن الضرر الناتج عن تأخير التسليم؟

الجواب

اتفاق المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه أحدهما إذا أخل الطرف الآخر بتنفيذ ما التزم به أمر جائز ومشروع تقليدا لمذهب السادة الحنابلة الذين يرون أن الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط، الإباحة، فكل ما لم يمنعه الشرع منها فهو مباح استصحابا لذلك الأصل.

والشرط الجزائي في واقعة السؤال لا يخالف مقتضى العقد، ولم يرد في الشرع ما يمنعه بخصوصه، وعلى هذا فيجوز للمشتري المطالبة بالشرط الجزائي ولا حرج عليه في ذلك، تعويضا له عن الضرر الناتج عن عدم التزام البائع بما تم الاتفاق عليه.

التأصيل الشرعي

الشرط الجزائي: هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه أحدهما إذا أخل الطرف الآخر بتنفيذ ما التزم به.

ومصطلح الشرط الجزائي مصطلح قانوني معاصر، والمصطلح الفقهي هو ضمان التعويض عن التعطل والانتظار، الذي أقره القاضي شريح بقوله «مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ»[1].

والذي أدي إلى وجود الشرط الجزائي ظهور عدد من العقود الحديثة التي لم تكن حاجة الناس تدعو إليها في القديم، وأصبح لعامل الوقت أهمية كبيرة، وتأخير أحد المتعاقدين في تنفيذ ما التزم به بالعقد يؤدي إلى أضرار خطيرة بالطرف الآخر؛ فلذلك لجأ الناس إلى الشرط الجزائي ليكون حاثا على الالتزام بما تم الاتفاق عليه بين المتعاقدين، ويكون تعويضا عن الضرر الناتج إذا أخل الطرف الآخر ببند من بنود العقد.

وقد وقع الخلاف بين الفقهاء في جواز الشرط الجزائي من عدمه، فيرى جمهور الفقهاء عدم جوازه، بينما يرى الحنابلة جوازه، عملا بمبدئهم القائم على أن الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط، الإباحة، فكل ما لم يمنعه الشرع منها فهو مباح استصحابا لذلك الأصل.

قال ابن تيمية: “الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه”[2].

ويُستدل للقول بجواز الشرط الجزائي بما يلي:

أولا: من القرآن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[3]، قال أبو السعود: “الوفاءُ القيامُ بموجَبِ العَقْد وكذا الإيفاء والعقد هو العهدُ الموَثَّقُ المشبَّه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعمّ جميعَ ما ألزمه الله تعالى عبادَه وعقَده عليهم من التكاليف والأحكام الدينية وما يعقِدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسنُ دِيناً بأن يُحمل الأمرُ على معنىً يعمّ الوجوبَ والندبَ”[4].

ثانيا: من السنة حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ “[5].

ثالثا: تغليب إرادة المتعاقدين وتوافقهما على ما شرطاه، فتراضي الطرفين له اعتبار في الشرع ما دام أنه لم يحل حراما أو يحرم حلالا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[6].

وعلى هذا فلا يحرم من العقود والشروط والالتزامات بصفة عامة إلا ما حرمه الشرع، ويجب الوفاء بكل ما يلتزمه الشخص طائعا مختارا إلا ما قام الدليل على بطلانه وكان فيه نهي بخصوصه.

وتأسيسا على ذلك فلا يحرم من الشروط إلا ما كان مخالفا لمقتضى العقد، وما ورد فيه نهي بخصوصه أو كان مخالفا لأصل من أصول التشريع.

ومقتضى العقد: هو الأحكام الأساسية التي قررها الشرع لكل عقد، سواء بالنص عليها مباشرة أو باستنباط المجتهدين.

والشرط الجزائي في أصله لا يخاف مقتضى العقد، ولم يرد في الشرع ما يمنعه.

والأوفق لأحوال الناس في هذا الزمان الذي استهان فيه كثير من الناس بعهودهم، متعللين بأدنى سبب لتهرب من إيفاء الناس حقوقهم، أن يؤخذ برأي الحنابلة في إطلاق حرية الاشتراط للعاقدين في العقود المالية، تحقيقاً لحاجات الناس ومصالحهم ومراعاة لما يطرأ من تطورات وأعراف في إبرام عقود لأغراض مشروعة، وإلا ضاق على الناس كثير من أبواب الكسب مع سرعة حركة التجارة والنشاط الاقتصادي الذي اشتمل على كثير من العقود والشروط على نحو لم يكن معروفاً لدى الفقهاء الأقدمين.

وجدير بالذكر أن القول بجواز اشتراط العاقدين ما شاءا من الشروط ليس رأي الحنابلة وحدهم، فقد قال به بعض فقهاء السلف كالقاضي شريح، وابن شُبرمة الكوفي، وابن أبي ليلى[7].

وعلى هذا وفي واقعة السؤال يجوز للمشتري المطالبة بالشرط الجزائي ولا حرج عليه في ذلك، تعويضا له عن الضرر الناتج عن عدم التزام البائع بما تم الاتفاق عليه.

والله تعالى أعلم


[1] إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 301).

[2]  مجموع الفتاوى (29/ 346).

[3]  [المائدة: 1].

[4]  إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (3/ 2).

[5]  السنن الكبرى للبيهقي (6/ 131).

[6]  [النساء: 29].

[7] ينظر الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي، محمد يوسف موسى، دار الفكر العربي، (ص 391).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات