الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعحكم بيع وشراء المصاحف

حكم بيع وشراء المصاحف

السؤال

أنا صاحب دار نشر لبيع الكتب العلمية، ومن ضمن ما نقوم ببيعه نسخ المصحف الشريف المطبوعة، مع العلم أننا نبيع النسخة بزيادة ربح قليلة جدًا على تكلفتها علينا، وقد أخبرنا البعض بأن هذه الزيادة في الربح ليست جائزة؛ لأنه لا يجوز المتاجرة في المصاحف، فما حكم الشرع في ذلك

الجواب

التعامل بالبيع والشراء في نسخ المصحف المطبوعة يُعَدُّ أمرًا جائزًا شرعًا

التأصيل الشرعي

يجوز شرعًا المتاجرة في المصاحف بيعًا وشراءً؛ وقد نص على جواز ذلك جمهور الفقهاء؛ قال الإمام الشيرازي: “‌ويجوز ‌بيع ‌المصاحف ‌وكتب ‌الأدب؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئِل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس يأخذون أجور أيديهم ولأنه طاهر منتفع به فهو كسائر الأموال”[1].

وقد أخرج الإمام البيهقي بسنده عن زِيَادٍ، مَوْلًى لِسَعْدٍ، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَنْ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ لِتِجَارَةٍ فِيهَا، فَقَالَا: «لَا نَرَى أَنْ نَجْعَلَهُ مُتَّجَرًا، وَلَكِنْ مَا عَمِلْتَ بِيَدَيْكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ». قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ وَشِرَائِهَا: لَا بَأْسَ بِهِ[2].

لكن هناك من الفقهاء من ذهب إلى كراهة بيع المصحف، لكنهم لم يحرموا ذلك؛ والسبب في قولهم بالكراهة هو الخوف من أن يكون المصحف وسيلة للتجارة بين الناس، والبعد به من الابتذال، فالمقصود الحقيقي من المصحف هو كلام الله تعالى، وليس التجارة في نسخة؛ قال الإمام ابن المنذر: “‌واختلفوا ‌في ‌شرى ‌المصاحف ‌وبيعها. فروى عن ابن عمر أنه شدد في بيعها، قال: وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف.

وقد روينا عن الأشعري أنه كره ذلك، وكره بيعها وشرائها علقمة، وابن سيرين، والنخعي، وشريح، ومسروق، وعبد الله بن زيد.

وفيه قول ثان: وهو الترخيص في شرائها وكراهية بيعها، روينا هذا القول عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وإسحاق.

وقال أحمد: الشراء أهون وما أعلم في البيع رخصة.

ورخصت طائفة في شرائها وبيعها هذا قول الحسن، والحكم، وعكرمة، وقال عكرمة: إنما يبيع عمل يديه.

وقال الثوري: لا بأس أن يبادل مصحفاً بمصحف وزيادة دراهم، يأخذ الدراهم، وبه قال إسحاق”[3].

وقد أخرج الإمام البيهقي بسنده عن الرَّبِيع قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ كَرِهَ شِرَاءَ الْمَصَاحِفِ وَبَيْعَهَا»، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَلَيْسُوا، يَعْنِي بَعْضَ الْعِرَاقِيِّينَ، يَقُولُونَ بِهَذَا، لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرَى بِشِرَائِهَا بَأْسًا، وَنَحْنُ نَكْرَهُ بَيْعَهَا قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ تَعْظِيمًا لِلْمُصْحَفِ عَنْ أَنْ يُبْتَذَلَ بِالْبَيْعِ أَوْ يُجْعَلَ مُتَّجَرًا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «اشْتَرِ الْمُصْحَفَ وَلَا تَبِعْهُ»، إِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ[4].

وعليه فإن التعامل بالبيع والشراء في نسخ المصحف المطبوعة يُعَدُّ أمرًا جائزًا شرعًا، وهو ما عليه عمل الأمة عبر تاريخها، ولو قلنا بمنع ذلك لوجدنا صعوبة بالغة في تداول المصاحف، ولأصبح الأمر في غاية الصعوبة على من يريد اقتناء نسخة من المصحف.

والله تعالى أعلم


[1] يُنظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي، للشيرازي 2/ 12، ط. دار الكتب العلمية.

[2] أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” 6/ 27، رقم الحديث 11064.

[3] يُنظر: الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر 6/ 137-138، ط. مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة – الإمارات العربية المتحدة.

[4] أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” 6/ 28، رقم الحديث 11071.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات