الأحد, مايو 19, 2024
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفقهي تراثيالضمانضمان المحصول الذي احترق بفعل المستأجر

ضمان المحصول الذي احترق بفعل المستأجر

السؤال

 أملك العديد من قطع الأراضي زراعية، وأقوم بتأجيرها للفلاحين ليقوموا بزرعها، وبعد موسم الحصاد يأتوني بأجرة الأرض مؤجلة، لكن حدثت مشكلة بين اثنين من المستأجرين عندي، حيث إن أحدهم بعد أن انتهى من حصد زرعه قام بإحراق ما يسمى بالقش، فأدى ذلك إلى انتقال النار بفعل الرياح إلى زرع جاره فأحرقته، ويريد صاحب الزرع المحروق أن يدفع له جاره ثمن المحصول الذي احترق؛ لأنه المتسبب في ذلك الحريق، وارتضيا أن أكون حكمًا بينهما، فما حكم الشرع في ذلك؟

الجواب

احتراق زرع الجار بسبب حرق القش لا يخلو من حالين:

الحالة الأولى: إذا انتقلت النار بفعل الرياح المفاجئة لزرع الجار، دون علم مسبق بمجيئها، فحينئذ لا يضمن ثمن هذا المحصول؛ لأنه لم يتعمد أن يضر جاره.

الحالة الثانية: إذا كانت الرياح شديدة وهو يعلم، وأشعل النار في القش ليحرقه، وانتقلت النار بسبب ذلك إلى زرع جاره فأحرقته، فحينئذ يضمن ثمن هذا المحصول؛ لأنه تسبب بذلك في وقع الضرر بزرع جاره.

التأصيل الشرعي

من المقرر في الشريعة الإسلامية أنه لا ضرر ولا ضرار؛ فقد روي عن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[1].

قال الإمام ابن عبد البر: “وقال الخشني الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة، وهذا وجه حسن في الحديث والله أعلم”[2].

فالواجب على المسلم أن يراعي حق جاره وألَّا يتعمد أن يوقع عليه أي ضرر، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[3].

قال الإمام النووي: “البوائق جمع بائقة، وهي الغائلة والداهية والفتك، وفي معنى «لا يدخل الجنة» جوابان يجريان في كل ما أشبه هذا. أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخلها أصلا، والثاني: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخر ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولا، وإنما تأولنا هذين التأويلين؛ لأنا قدمنا أن مذهب أهل الحق أن من مات على التوحيد مصرا على الكبائر فهو إلى الله تعالى ان شاء عفا عنه فأدخله الجنة أولا وإن شاء عاقبه ثم أدخله الجنة والله أعلم”[4].

أما بالنسبة للمستأجر الذي قام بحرق القش الذي تبقى في أرضه بعد حصد زرعه، فهذا أمر متعارف عليه بين كثير من الفلاحين والمزارعين، وإن كنا ننصح أن يتم التخلص من القش بالطرق التي لا تحدث ضررًا، وتحفظ البيئة من التلوث ونحو ذلك.

أما بالنسبة إلى احتراق محصول الجار بسبب حرق القش وانتقال النار إلى زرعه بفعل الرياح الشديدة، فالأمر لا يخلو من حالتين، كما نص على ذلك الفقهاء؛ حيث يقول الإمام ملا خسرو:”[مسائل شتى في الإجارة]، (مسائل شتى) – (أحرق حصائد أرض) وهي جمع حصيد وحصيدة وهما الزرع المحصود والمراد بها هاهنا ما يبقى من أصول القصب المحصود في الأرض (استأجرها أو استعارها فاحترق ما في أرض غيره لم يضمن)؛ لأن هذا تسبب وليس بمباشرة فلا يكون متعديا كحافر البئر في ملكه (إن لم تضطرب الرياح) قال الإمام شمس الأئمة عدم الضمان إذا كانت الرياح ساكنة ثم تغيرت أما إذا كانت مضطربة فيضمن؛ لأن موقد النار يعلم أنها لا تستقر في أرضه فيكون مباشرًا”[5].

وعليه: فإن ضمان ثمن محصول الجار المحترق بسبب حرق القش لا يخلو من حالين:

الحالة الأولى: إذا انتقلت النار بفعل الرياح المفاجئة لزرع الجار، دون علم مسبق بمجيئها، فحينئذ لا يضمن ثمن هذا المحصول؛ لأنه لم يتعمد أن يضر جاره.

الحالة الثانية: إذا كانت الرياح شديدة وهو يعلم، وأشعل النار في القش ليحرقه، وانتقلت النار بسبب ذلك إلى زرع جاره فأحرقته، فحينئذ يضمن ثمن هذا المحصول؛ لأنه تسبب بذلك في وقع الضرر بزرع جاره.

والله أعلم

[1] أخرجه ابن ماجه في “سننه” (2340).

[2] الاستذكار، لابن عبد البر (7/ 191).

[3] أخرجه مسلم في “صحيحه” (46).

[4] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (2/ 17).

[5] درر الحكام شرح غرر الأحكام، ملا خسرو (2/ 240).

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات